الأحد، 26 يناير، 2014

اليتيم الذي ألبس الأعين أناقةً




في يناير 1935 توفي والد (ليوناردو ديل فيكيو) في ميلان قبل ولادته بخمسة أشهر، وتركه مع أرملته الفقيرة لتقوم بتربية وحيدة، ولكنها فشلت في تحمل المسؤولية - وهي مشكلة كل من يعلقون فشلهم على الآخرين والظروف ثم يهربون - وفي السابعة من عمره اصطحبته والدته إلى دارٍ للأيتام وطلبت منه أن ينتظر عودتها، ولكنها لم تفعل إلى الأبد.

نشأ ليوناردو هادئا ومنطوياً على نفسه بين الأطفال والمعلمات، وتعلم في الدار الصبر والتأمل والإعتماد على النفس، ومع الأيام أظهر براعةً في إتقان الأعمال الحرفية وبالأخص النحت، وحينما غادر الدار في الرابعة عشر من عمره ودعته إحدى معلماته بنصيحة أخيرة قبل أن ينطلق في الحياة: (أنت لم تختار والديك وماضيك، لكنك مسؤولاً عن مستقبلك، افتح صفحة جديدة مع نفسك وانطلق للحياة).

بدأ ليوناردو حياته المهنية بعدما غادر الدار مباشرة كمتدرب في مصانع السيارات، وطالباً في المعهد الصناعي للتصميم لدراسة نحت القطع الصلبة، وقاسى من مشقة العمل صباحاً والمعهد مساءً، حيث كان يمضي بينها 14 ساعة يومياً. وفي السابعة عشر من عمره غادر ميلان ومصانع السيارات إلى مصانع النظارات في محافظة بيلونو (موطن صناعة النظارات الإيطالية)؛ ليحظى بعملٍ أفضل. وهناك ظل يعمل بجدٍ إلى أن أحترف إنجاز كافة أجزاء النظارة، وحينما سنحت له فرصة وظيفية وهو في العشرين من عمره أن يصبح مديراً فنياً في أحد مصانع الميداليات والأوسمة، لم يتردد ليقوم بتحسين دخله المادي بعدما تزوج وأصبح لديه طفلين.

حرص ليوناردو أن يوفر جزءً من دخله لقادم الأيام، وكان واثقاً أن الفرص تأتي لكل الناس ولابد أن يكون مستعداً لهذا اليوم، وبعد ثلاث سنوات قضاها في عمله الأخير لفت نظره أمراً هاماً كان نقطة التحول في حياته، يقول ليوناردو: (كان مطربي الروك والفنانين الأمريكيين يزورون إيطاليا وهم يرتدون الجينز والقمصان الضيقة وكنت أتأملهم جيداً، وهم يجوبون الشواطئ، فخطرت في ذهني فكرة أن تكون النظارات جزءً من الموضة كما هي الملابس والأحذية). ومن خلال المبلغ الذي قام بتوفيره، أنشأ مصنعه في المنزل لتصنيع أجزاء النظارات وخلق فكرة تسويقية جديدة هي "جعل النظارات التي كانت تلبس لدواعي طبية فقط.. جزءً من الموضة".

ليوناردو البالغ من العمر 77 عاماً ويلقب اليوم في العالم "بملك النظارات"، أسس شركته (لوك سوتيكا) LUXOTTICA المتخصصة في صناعة قطع وأجزاء النظارات لبيعها للمصانع، وظل يعمل هو وزوجته من المنزل إلى أن قام بتوظيف 14 عاملاً، وكافح يومياً لقرابة العشرين ساعة لكي يكسب ود المصانع التي وثقت بجودة عمله، واستمر على هذا الحال لست سنوات إلى أن قام بتأسيس مصنع أكبر ليتسنى له عرض خدماته على كبار المصممين لإقناعهم بإنتاج نظارات بجانب منتجاتهم من الملابس والأحذية وأن يكون مصنعه هو الذي يتولى إنتاج هذه النظارات.

اليوم تنتج شركته %90 من النظارات في العالم، وكما يقال "إن لم تكن ترتدي إحدى نظارات ليوناردو ديل فيكيو، فمن المؤكد أنك ترتدي نظارة صنعت في مصانعه"، حيث يقدم خدماته لعشرات العلامات التجارية مثل: شانيل، وفيرساتشي، و برادا، وأرماني، ورالف لورين، وتيفاني،  ودونا كاران، بالإضافة مجموعته الخاصه، مثل: راي بان، رائج، بيرسول، لذلك هو إمبراطور صناعة النظارات في العالم من خلال 6 مصانع و 70,000 موظف، لإنتاج ما يزيد عن 100,000 نظارة في اليوم الواحد. وعن السر في هذا النجاح الذي جعله ثاني أغنى رجل في إيطاليا بثروة تزيد على 11 مليار دولار أمريكي، يقول: (لطالما فكرت في ما أود تحقيقه غداً وكيفية اتقانه، متجاهلاً أي صعوبات أو ظروف كنت سببها أو لم أكن، وهذا سر ما جعلني أفكر بشكل مختلف وبإتقانٍ عالٍ).

تأكد بأن ماضيك لا يساوي مستقبلك, فلا تبني مستقبلك على ماضيك
(أنتوني روبنز)





مبنى شركة "لوك سوتيكا" المملوك لليوناردو في ايطاليا



هناك تعليق واحد:

  1. غالب القصص التي تتحدث عن الإنجازات الشخصية .. لم يتعرض أصحابها لحروب من حكوماتهم !
    هنيئاً لهم .. لو كانوا بيننا لاحتاجوا إلى ختم وواسطة !
    شكراً لك

    ردحذف

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.